العلامة المجلسي

595

بحار الأنوار

فقال الإمام عليه السلام : ما تقول يا أسقف ؟ . قال : يا فتى أنتم تقولون : إن الجنة عرضها السماوات والأرض ، فأين تكون النار ؟ . قال له الإمام عليه السلام : إذا جاء الليل أين يكون النهار ؟ . فقال له الأسقف : من أنت يا فتى ؟ دعني حتى أسأل هذا الفظ الغليظ ، أنبئني - يا عمر - عن أرض طلعت عليها الشمس ساعة ولم تطلع مرة أخرى ؟ . قال عمر : أعفني عن هذا ، واسأل علي بن أبي طالب عليه السلام ، ثم قال : أخبره يا أبا الحسن ! ، فقال علي عليه السلام : هي أرض البحر الذي فلقه الله تعالى لموسى حتى عبر هو وجنوده ، فوقعت الشمس عليها تلك الساعة ولم تطلع عليها قبل ولا بعد ، وأنطبق البحر على فرعون وجنوده . فقال الأسقف : صدقت يا فتى قومه وسيد عشيرته ، أخبرني عن شئ هو في أهل الدنيا ، تأخذ الناس منه مهما أخذوا فلا ينقص بل يزداد ؟ . قال عليه السلام : هو القرآن والعلوم . فقال : صدقت . أخبرني عن أول رسول أرسله الله تعالى لا من الجن ولا من الانس ؟ . فقال عليه السلام : ذلك الغراب الذي بعثه الله تعالى لما قتل قابيل أخاه هابيل ، فبقي متحيرا لا يعلم ما يصنع به ، فعند ذلك بعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه . قال : صدقت يا فتى ، فقد بقي لي مسألة واحدة ، أريد أن يخبرني عنها هذا - وأومأ بيده إلى عمر - ، فقال له : يا عمر ! أخبرني أين هو الله ؟ . قال : فغضب عند ذلك عمر وأمسك ولم يرد جوابا . قال : فالتفت الإمام علي عليه السلام وقال : لا تغضب يا أبا حفص حتى لا يقول : إنك قد عجزت ، فقال : فأخبره أنت يا أبا الحسن ، فعند ذلك قال الإمام عليه السلام : كنت يوما عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل إليه ملك فسلم عليه فرد عليه السلام ، فقال له : أين كنت ؟ . قال : عند ربي فوق سبع سماوات . قال : ثم أقبل ملك آخر فقال : أين كنت ؟ . قال : عند ربي في تخوم الأرض السابعة السفلى ، ثم أقبل ملك آخر ثالث فقال له : أين كنت ؟ . قال : عند ربي في مطلع الشمس ، ثم جاء ملك آخر فقال : أين كنت ؟ . قال : كنت عند ربي في مغرب الشمس ، لان الله لا يخلو منه مكان ، ولا هو في شئ ، ولا على شئ ، ولا من شئ ، وسع كرسيه السماوات والأرض ، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا . قال : فلما سمع الأسقف قوله ، قال له : مد يدك فإني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأنك خليفة الله في أرضه ووصي رسوله ، وأن هذا الجالس الغليظ الكفل المحبنطئ ليس هو لهذا المكان بأهل ، وإنما أنت أهله ، فتبسم الإمام عليه السلام .